السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

103

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

عن سورتها المكية التي عددها بحسب النزول ، اثنتان وخمسون سورة ، فتراهم عاجزين عن الإتيان ببعض سورة من مثل هذا القرآن مهما بلغوا في الفصاحة ، لأن كلام الخلق لا يضاهي كلام الخالق ، وقد ذكرنا في سورة يونس المارّة عند قوله تعالى ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ) الآية 38 أن معناها هناك مثل جميع ما نزل ، فلما عجزوا تحداهم الآن بعشر سور ، وقيل معناها هناك في الإخبار بالغيب والأحكام والوعد والوعيد لا بسورة واحدة ، ومثلها الآية 88 من سورة الإسراء المارة في ج 1 ، ومعناها هنا في الفصاحة والبلاغة من غير إخبار عن غيب ولا ذكر حكم ولا وعد ولا وعيد ، ولهذا فلا دليل لمن قال إن هود نزلت قبل يونس ، لأنه تحداهم بعشر سور فلما عجزوا تحداهم بسورة واحدة ، تأمل وقد بينا أن يونس نزلت قبل هود على ما عليه الجمهور ، وهود بعدها بالتنزيل وفي ترتيب القرآن أيضا ، فضلا عن أن هذه الآية والتي بعدها مدنيتان ، وأن بينها وبين آية يونس سنين وأشهرا وأياما ، هذا ولما تحداهم بهذا الكلام أمره أن يقول لهم « وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ » من شركائكم وأعوانكم وأمثالكم من كل خلقه ليساعدوكم على الإتيان بذلك « إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 13 » أنه مفترى ، ولا تكرار في هذه الآية وآية يونس لأن هذه مدنية وبعشر سور ، وتلك مكية ، وبكل سوره النازلة وآية البقرة عدد 23 بخلافها كما سيأتي في تفسيرها في ج 3 . وقد بينا عند تفسير آية يونس ما هو أوضح من هذا فراجعه . قال تعالى « فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ » جاء الضمير بالجمع تعظيما لحضرة الرسول وطبعا لم ولن يستجيبوا لأنهم أقل من ذلك « فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ » هذا القرآن كله يا محمد عليكم « بِعِلْمِ اللَّهِ » تعالى بواسطة أمينه جبريل عليه السلام ليس بمفترى ، لأنكم وجميع الخلق لا تقدرون على الإتيان بسورة منه ، ولا آية معجزة أيضا « وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » وحده الإله القادر على إنزاله وجعله معجزا للخلق أجمع ، فقل لعامة الكفار هو كلام اللّه « فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 14 » مذعنون له منقادون لعظمته ، خاضعون لأوامره ونواهيه . وبعد إظهاركم العجز عن ما تحداكم به لم يبق شائبة شبهة بأنه من عند غير اللّه بل من عند اللّه حقيقة ، وأن ما أنتم عليه من الشرك والإنكار باطل ،